أبي منصور الماتريدي

34

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

واحتج بعض الناس بظاهر هذه الآية أن الإسلام لا يلزم إلا بالأمر والدعاء إليه ، وقالوا : إن من مات قبل أن يؤمر به ، وقبل أن يدعي إليه - فإنه لا شيء عليه ، وعلى ذلك من مات في وقت الفترة وانقطاع الرسل والوحي ؛ لأنّه قال : إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ أخبر أنه أمر بذلك ، وإذا لم يكن ثمّ أمر لم يلزم ، لكن الوجه في الآية ما ذكرنا ، أي : أمرت أن أسلم وأخضع أولا ثم آمر غيري ، فإذا كان التأويل هذا بطل أن يكون في ذلك حجة لهم . وقوله - عزّ وجل - : قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ . قال ابن عباس - رضي الله عنه - : قل يا محمد لكفار « 1 » أهل مكة : إِنِّي أَخافُ ، أي أعلم « 2 » إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي فعبدت غيره ، عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ . هذا التأويل صحيح إن كان ما ذكر من سؤالهم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وعرضهم المال عليه ليعود ويرجع إلى دينهم ، فيخرج هذا على الجواب لهم « 3 » . وقال بعضهم : قوله - تعالى - : إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي على الخوف ، لكن لقائل أن يقول : كيف خاف عذاب يوم عظيم وقد أخبر أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ؟ ! وكيف قال : إِنْ عَصَيْتُ وقد أخبر أنه عصمه وغفر له ؟ قيل « 4 » : يحتمل أن تكون المغفرة له على شرط الخوف ، غفر له ليخاف عذابه . وقوله - عزّ وجل - : مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ قال بعض المعتزلة : الرحمة هاهنا : الجنة « 5 » ؛ لأن الله - تعالى - جعل « 6 » في الآخرة دارين ؛ إحداهما « 7 » :

--> ( 1 ) في ب : للكفار . ( 2 ) ذكره القرطبي في تفسيره ( 6 / 256 ) وأبو حيان في البحر المحيط ( 4 / 91 ) . ( 3 ) يقول العلامة القاسمي في محاسن التأويل : وفي الآية مبالغة أخرى في قطع أطماعهم ، وتعريض لهم بأنهم عصاة مستوجبون للعذاب العظيم . ووجه التعريض إسناد ما هو معلوم الانتفاء ، ب ( إن ) التي تفيد الشك تعريضا . وجيء بالماضي إبرازا له في صورة الحاصل على سبيل الفرض ، تعريضا بمن صدر عنهم ذلك . وحيث كان تعريضا لهم - والمراد تخويفهم إذا صدر منهم ذلك - لم يكن فيه دلالة على أنه يخاف هو صلّى اللّه عليه وسلم على نفسه المعصية ، مع أنه معصوم . كما لا يتوهم مثله في قوله : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [ الزمر : 65 ] وحينئذ فلا حاجة إلى ما أجيب عن ظاهر دلالته على ما ذكره ، بأن الخوف تعلق بالعصيان الممتنع الوقوع امتناعا عاديا ، فلا يدل إلا على أنه يخاف لو صدر عنه العصيان . وهذا لا يدل على حصول الخوف . ينظر : تفسير القاسمي : ( 6 / 476 - 477 ) . ( 4 ) قال الرازي في تفسيره ( 12 / 141 ) : إن الآية لا تدل على أنه خاف على نفسه بل الآية تدل على أنه لو صدر عنه الكفر والمعصية فإنه يخاف وهذا القدر لا يدل على حصول الخوف . ( 5 ) قال أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط ( 4 / 91 ) : وهي النجاة من العذاب ، وإذا نجي من العذاب دخل الجنة . وقال الزمخشري في الكشاف ( 2 / 10 ) : الرحمة العظمى هي النجاة . ( 6 ) زاد في ب : في من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه قلت . ( 7 ) في أ : أحدهما .